الخصائص المميزة للجرائم الواقعة على أمن الدولة وأوجه الاختلاف

نُشر بتاريخ 2026/06/30
الخصائص المميزة للجرائم الواقعة على أمن الدولة وأوجه الاختلاف

إن المتتبع لقواعد التجريم والعقاب في الجرائم الواقعة على أمن الدولة بشكل عام يلاحظ عند التدقيق في تلك النصوص وقراءتها أنها نصوص تخرج في الغالب عن الطرق التقليدية المتّبعة التي تخضع لها نصوص الجرائم الأخرى والتي يألفها القارئ القانوني فيما يتعلق بالنص التشريعي الجزائي، وهذا ليس مقتصراً على التشريع الأردني بل يشمل التشريعات الجزائية المختلفة التي تختص بالجرائم الواقعة على أمن الدولة نظراً للخطورة التي تشكلها هذه الجرائم على أفراد المجتمع بصورة خاصة وعلى الدولة كشخص من أشخاص القانون الدولي بصورة عامة. وبالرغم من هذه الخصائص التي تميز هذه الجرائم إلا أن المتطلع إلى النصوص المرتبطة بها يجد أن هناك اختلافاً مرتبطاً بعدد من الميزات، وللوقوف بشكل جلي على هذه وتلك فإننا سنقسّم هذه الدراسة إلى مبحثين على النحو التالي.

المبحث الأول: خصائص الجرائم الواقعة على أمن الدولة

الخاصية الأولى: الصياغة التشريعية

إن ما يميز النص الجزائي بصورة عامة هو وضوح المصطلحات والدقة في التعبير عنها وصراحة النصوص بشكل لا يقبل معه التأويل أو التفسير، على اعتبار أن المشرع الجزائي يحرص كل الحرص على وضوح معنى الألفاظ لاقتران هذه الألفاظ في مفهومها بأفعال يُبنى على مخالفتها عقوبة تطال مرتكبها، فيدرك المخاطَب بهذا النص فحواه ومعناه ويتجنب بالتالي ارتكاب هذه الأفعال.

غير أن الأمر فيما يتعلق بنصوص المواد التي تعاقب على الجرائم الواقعة على أمن الدولة مختلف بعض الشيء، فالمرونة أساس بعض هذه الألفاظ بحيث تأتي غير محددة الملامح بشكل جازم وتكاد تتوسع بشكل كبير. ومن الأمثلة على هذه الصياغة نص المادة (111) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته التي نصت على: «كل أردني دسّ الدسائس لدى دولة أجنبية أو اتصل بها ليدفعها إلى العدوان ضد الدولة أو ليوفر الوسائل إلى ذلك عوقب بالأشغال المؤبدة، وإذا أفضى عمله إلى نتيجة عوقب بالإعدام»، فما هو المقصود بدسّ الدسائس؟ وما هي أركان هذه الجريمة وعناصرها؟ وكذلك جريمة تعكير صلات الأردن بدولة أجنبية الواردة في نص المادة (3/ب) من قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته التي تنص على: «القيام بأعمال من شأنها أن تعرّض المملكة لخطر أعمال عدائية أو تعكّر صلاتها بدولة أجنبية أو تعرّض الأردنيين لخطر أعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم». وكذلك المادة (113/1) من القانون ذاته: «يعاقب بالأشغال المؤبدة كل أردني أقدم بأية وسيلة كانت بقصد شلّ الدفاع الوطني على الإضرار بالمنشآت والمصانع والبواخر والمركبات الهوائية والأدوات والذخائر والأرزاق وسبل المواصلات، وبصورة عامة بأي شيء ذي طابع عسكري أو معدّ لاستعمال الجيش أو القوات التابعة له»، فما هو المقصود بشلّ الدفاع الوطني؟

وعلى كل حال فإنه وإن كانت هذه المصطلحات المستخدمة من قبل المشرع تمتاز بكونها فضفاضة المعنى، إلا أننا نرى أن الأمر مبرَّر من وجهة نظرنا للأسباب التالية:

  1. جسامة هذه الجرائم التي تُرتكب بحق الدولة التي احتضنت مرتكبها، بحيث إنه ردّ على إكرامها له بارتكاب هذه الجرائم.
  2. أن هذه الجرائم هي بالأصل غير محددة المعالم والملامح بحيث يصعب معها أن يتحدد ركنها المادي بصورة واضحة ومحددة وبشكل مسبق.
  3. أن المشرع حين ترك هذه الألفاظ واسعة فضفاضة قصد بذلك أن يعطي قاضي الموضوع الحرية في أن يستخلص الركن المادي لكل جريمة وفقاً للضوابط القانونية، ويضفي على النصوص المرونة بحيث تشمل كل الأفعال الجرمية التي تتطور وتظهر بتطور الجريمة، تماشياً مع الظروف الموضوعية لكل قضية ومع تطور الفكر الإجرامي لدى مرتكبيها. وبالتوازي مع ذلك أبقى المشرع الرقابة لمحكمة التمييز في التثبت من استنباط المحكمة المختصة للوقائع بصورة تتوافق مع صحيح القانون، ضماناً من ضمانات المحاكمة العادلة التي تُعدّ حقاً لصيقاً من حقوق المتهم إبّان محاكمته.

الخاصية الثانية: التوسع في مجال جرائم الخطر

تُقسم الجرائم بالنظر إلى النتيجة التي تتحقق إلى جرائم خطر وجرائم ضرر؛ فجرائم الخطر هي التي تتمثل بتعريض المصلحة المحمية لمجرد الخطر بغض النظر عن تحقق النتيجة من عدمه، أما جرائم الضرر فتتحقق بالإضرار بالمصلحة المحمية بحدوث ضرر مادي أو معنوي.

وفي مجال الجرائم الواقعة على أمن الدولة توسّع المشرع في جرائم الخطر لاعتبارات المصلحة المحمية، ومثال ذلك نص المادة (111) من قانون العقوبات بخصوص جريمة دسّ الدسائس باعتبارها من جرائم الخطر. وفي حالات تحقق النتيجة (الضرر) شدّد المشرع العقوبة كما ورد في المادة (112): «كل أردني دسّ الدسائس لدى العدو أو اتصل به ليعاونه بأي وجه كان على فوز قواته على الدولة عوقب بالإعدام». ومن الجدير بالملاحظة أن جريمة الخطر تُعدّ جريمة تامة لمجرد تحقق الخطر دون تحقق الضرر، ولذا فمن غير المتصور وقوع الشروع فيها، لأن مجرد الشروع (الخطر) هو جريمة مكتملة الأركان والعناصر.

ونسوق للتوضيح أنه لمّا كانت جرائم الإرهاب ذات طبيعة خاصة متعلقة بحق المجتمع حفظاً لسلامته وأمنه والنظام العام السائد فيه ودرءاً للخطر الذي يتهدده، فقد عُني المشرع بإصدار قانون خاص (قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته) لمكافحة ظاهرة الإرهاب ومنع وقوعها بصورة احترازية ووقائية في المقام الأول وتجريمها حال وقوعها في المقام الثاني. والمصلحة المحمية فيها ليست حقوقاً شخصية أو مالية مرتبطة بسلامة الجسد أو الحق في الحياة أو حق الملكية، فالإرهاب لا تتمثل غايته في النتيجة المادية البحتة (قتلاً أو تخريباً أو اعتداءً على النفس أو المال) وإنما في خلق حالة من الخوف والرعب في محيط مجتمع معين أو مجرد احتمال تحققها، أو خلق حالة من التهديد بالقيام بالعمل الإرهابي حتى لو لم يقم به الفاعل؛ فهذا العنصر السيكولوجي يغدو على جانب كبير من الأهمية في تمييز جريمة الإرهاب. وقد عرّف المشرع الأردني في المادة (2) من قانون منع الإرهاب العمل الإرهابي بأنه: «كل عمل مقصود أو التهديد به أو الامتناع عنه أياً كانت بواعثه وأغراضه أو وسائله يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي من شأنه تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إحداث فتنة، إذا كان من شأن ذلك الإخلال بالنظام العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو تعريض حياتهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو المرافق والأملاك العامة أو الخاصة أو المرافق الدولية أو البعثات الدبلوماسية... أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو الأنظمة».

وبالتالي فقد استخدم المشرع عبارة «أياً كانت بواعثه وأغراضه أو وسائله»، فلا أهمية للدافع أو للباعث الذي حمل الفاعل على اقتراف فعله، إذ إن الدافع في مثل هذه الأحوال ليس عنصراً من عناصر التجريم ولا أثر له في الجريمة وجوداً أو عدماً، انسجاماً مع ما تقرره المادة (67/2) من قانون العقوبات بنصها: «لا يكون الدافع عنصراً من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي عيّنها القانون».

الخاصية الثالثة: قواعد التجريم

إن القاعدة العامة في التجريم أن المشرع لا يعاقب إلا على النشاط المادي المحسوس المعبَّر عنه بأفعال مادية تصدر عن الجاني من شأنها الإخلال بأمن المجتمع، والأصل ألا عقوبة على التفكير بالجرائم. إلا أن المشرع، ولخصوصية الجرائم الداخلة باختصاص محكمة أمن الدولة، خرج عن هذه القاعدة فاعتبر التجريم قائماً في بعض أنواعها بوصفها جرائم خطر. وتطبيقاً لذلك عرّفت المادة (107) من قانون العقوبات جريمة المؤامرة بأنها: «كل اتفاق تمّ بين شخصين أو أكثر على ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا الباب بوسائل معينة». ويُعدّ تجريم المؤامرة استثناءً من القواعد العامة في الاشتراك الجرمي، لأن الاتفاق الذي يهدف بحدّ ذاته إلى ارتكاب جريمة ماسّة بأمن الدولة يُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون بصورة الاتفاق فقط حتى وإن لم تؤدِّ إلى نتيجة. وعلّة التجريم هي الإعلان عن الرغبة والعزم والتصميم باتحاد الإرادات على المساس بأمن الدولة. ورغبةً من المشرع في منح «الفرصة الأخيرة» للمشترك في المؤامرة وتشجيعه للعدول عن فكره، كافأه بالإعفاء من العقوبة إن أخبر السلطة قبل البدء بأي فعل مهيّئ للتنفيذ.

أما إذا ارتُكب فعل من أفعال المؤامرة أو بُدئ فيه، فلا يكون العذر إلا مخففاً بمقتضى المادة (109/2)، ويستفيد منه المتهم الذي أخبر السلطة بمؤامرة أو بجريمة أخرى على أمن الدولة قبل إتمامها أو أتاح القبض على المتهمين الآخرين. وفي كلتا الحالتين استثنى المشرع المحرّض من الاستفادة من العذر المخفف. وتنص المادة (109) من قانون العقوبات على ما يلي:

  1. يُعفى من العقوبة من اشترك في مؤامرة على أمن الدولة وأخبر السلطة بها قبل البدء بأي فعل مهيّئ للتنفيذ.
  2. إذا ارتُكب فعل كهذا أو بُدئ به لا يكون العذر إلا مخففاً.
  3. يستفيد من العذر المخفف المتهم الذي أخبر السلطة بمؤامرة أو بجريمة أخرى على أمن الدولة قبل إتمامها، أو أتاح القبض — ولو بعد مباشرة الملاحقات — على المتهمين الآخرين أو على الذين يعرف مختبأهم.
  4. لا تُطبَّق أحكام هذه المادة على المحرّض.

الخاصية الرابعة: الاختصاص الذاتي

تحرص الدول بشكل عام على إخضاع الجرائم الماسّة بأمن الدولة إلى القضاء الوطني فيها، دون الاعتداد بشخصية الفاعل أكان أردنياً أم أجنبياً، ودون النظر إلى مكان ارتكاب الجريمة، إعمالاً لمبدأ ذاتية سريان قانون العقوبات، وأياً كانت الصفة التي ارتكبها بها الجاني فاعلاً أصلياً أو شريكاً أو محرّضاً أو متدخلاً، ودون النظر إلى نوع الجريمة جناية كانت أو جنحة. وقد نصت المادة التاسعة من قانون العقوبات على: «تسري أحكام هذا القانون على كل أردني أو أجنبي — فاعلاً كان أو شريكاً أو محرّضاً أو متدخلاً — ارتكب خارج المملكة جناية أو جنحة مخلّة بأمن الدولة، أو قلّد ختم الدولة، أو قلّد نقوداً، أو زوّر أوراق النقد أو السندات المصرفية الأردنية أو الأجنبية المتداولة قانوناً أو تعاملاً في المملكة».

الخاصية الخامسة: تعدد (تناوب) السلوك الجرمي

تمتاز الجرائم الواقعة على أمن الدولة بأن البنيان القانوني للجريمة متمثلاً بركنها المادي تتعدد فيه السلوكيات المجرَّمة ويحلّ أحدها مكان الآخر (باعتبارها تتساوى في التجريم، فيمكن أن يتحقق الركن المادي بأي صورة من هذه الصور). ونسوق للتوضيح على سبيل المثال نصوص المواد التالية:

  1. المادة (114): «يعاقب بالأشغال المؤقتة خمس سنوات على الأقل كل أردني حاول بأعمال أو خطب أو كتابات أو بغير ذلك أن يقتطع جزءاً من الأراضي الأردنية ليضمه إلى دولة أجنبية...»، إذ ساوى المشرع في التجريم بين الأعمال والخطب والكتابات.
  2. المادة (115/1): «كل أردني قدّم سكناً أو طعاماً أو لباساً لجندي من جنود الأعداء أو لجاسوس للاستكشاف وهو على بيّنة من أمره أو ساعده على الهرب عوقب بالأشغال المؤقتة»، إذ ساوى في التجريم بين تقديم المسكن أو الطعام أو اللباس.
  3. المادة (122): «تحقير دولة أجنبية أو جيشها أو علمها أو شعارها الوطني علانية»، إذ ساوى المشرع في السلوك المجرَّم بين الدولة الأجنبية أو جيشها أو علمها أو شعارها الوطني.
  4. المادة (135/1): «كل من اعتدى على حياة جلالة الملك أو حريته يعاقب بالإعدام»، فيستوي أن يتحقق الاعتداء على حياة جلالة الملك أو على حريته.

الخاصية السادسة: العقوبات المغلّظة المفروضة على جرائم أمن الدولة

نظراً لخطورة الجرائم الواقعة على أمن الدولة ومساسها بكيان الدولة الداخلي والخارجي، ارتأى المشرع أن يفرض عقوبات مغلّظة تصل حدّ الإعدام في بعض الجنايات، ولا تثريب على محكمة أمن الدولة في تخفيض العقوبة ضمن صلاحياتها التقديرية. ومن الأمثلة على الجرائم التي يعاقب مرتكبها بالإعدام:

  • المادة (110/1) من قانون العقوبات: «كل أردني حمل السلاح ضد الدولة في صفوف العدو عوقب بالإعدام».
  • المادة (112) من قانون العقوبات: «كل أردني دسّ الدسائس لدى العدو أو اتصل به ليعاونه بأي وجه كان على فوز قواته على الدولة عوقب بالإعدام».
  • المادة (7/ب) من قانون منع الإرهاب: يعاقب مرتكب العمل الإرهابي بالإعدام إذا أفضى إلى موت إنسان، أو إلى هدم بناء كلياً أو جزئياً وكان فيه شخص أو أكثر، أو إذا ارتُكب باستخدام المواد المتفجرة أو الملتهبة أو السامة أو الجرثومية أو الكيماوية أو الإشعاعية أو بوساطة أسلحة وذخائر.
  • المادة (14) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة رقم 50 لسنة 1971: من دخل أو حاول الدخول إلى مكان محظور قصد الحصول على أسرار أو وثائق محمية يجب أن تبقى سرية حرصاً على سلامة الدولة عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة، فإن كانت المحاولة لمنفعة دولة أجنبية فالأشغال المؤبدة، وإن كانت الدولة عدوة فالإعدام.
  • المادة (15) من القانون ذاته: من سرق أسراراً أو وثائق أو معلومات كالتي ذُكرت أو استحصل عليها عوقب بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن عشر سنوات، فإن اقتُرفت لمنفعة دولة أجنبية فالأشغال المؤبدة، وإن كانت الدولة عدوة فالإعدام.

المبحث الثاني: أوجه الاختلاف بين الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي

بقي أن نشير، في مجال حديثنا عن الخصائص المميزة لجرائم أمن الدولة، إلى أنه بالرغم من الخصائص التي تجمع نوعي هذه الجرائم فإن هناك فروقاً تتعلق بطبيعة الجريمة وبصفة الفاعل وتوقيت ارتكاب الفعل، وسنتعرّض لها بشيء من التفصيل.

أولاً: من حيث طبيعة الجريمة المرتكبة

قلنا سابقاً إنه على الرغم من الاختلاف الواقع بين هذين النوعين فإن العامل المشترك بينهما أن صاحب الحق المعتدى عليه هو «الدولة ذاتها»، لأن الاعتداء على نظام الدولة الداخلي أياً كان (سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً) ينعكس كنتيجة حتمية على مركزها في المجتمع الدولي فينال من هيبتها وقوتها واحترامها.

ومع ذلك فإن طبيعة الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة بشقها الداخلي يغلب عليها الطابع السياسي، باعتبارها مرتبطة بجرائم تمسّ أجهزة الحكم وكيان الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي وأوضاع المجتمع الأساسية. وتأسيساً على ذلك يُفهم من طبيعة هذه الجرائم أنها مرتبطة بمفهوم «الجريمة السياسية»، وبالرغم من أن المشرع الأردني لم يعرّفها إلا أنه أشار إلى مدلولات قبوله لهذه التسمية الفقهية من حيث:

  1. استثناء مرتكبي الجرائم السياسية من التسليم وفقاً للمادة (21) من الدستور الأردني: «لا يُسلَّم اللاجئون السياسيون بسبب مبادئهم السياسية أو دفاعهم عن الحرية»، واستثناء من كان محكوماً بجريمة سياسية من عضوية مجلسي الأعيان والنواب بموجب المادة (75/1).
  2. إفراد المشرع عقوبة الاعتقال لبعض الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي باعتبارها عقوبة تمنح المحكوم بها معاملة خاصة، وقد عرّفها في المادة التاسعة عشرة من قانون العقوبات (وضع المحكوم عليه في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل مع معاملة خاصة وعدم إلزامه بزيّ النزلاء ولا تشغيله إلا برضاه)، وهي العقوبة ذاتها المقررة مثلاً في المادة (140) المتعلقة باغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية.
  3. تحديد المشرع أصولاً لتسليم المجرمين العاديين مرتبطة بالاتفاقيات الدولية، في الوقت الذي لم يُجِز فيه تسليم مرتكبي الجرائم السياسية؛ فقد ضمّنت المملكة معظم اتفاقياتها نصاً باستثناء تسليمهم، كاتفاقية تسليم المجرمين بين الأردن وأستراليا لسنة 2018 (المادة 4/1/هـ)، والاتفاقية القضائية بين الأردن ولبنان (المادة الرابعة) التي تمنع التسليم إذا كان للجريمة طابع سياسي.

أما طبيعة وغاية الجريمة المرتكبة بحق أمن الدولة الخارجي فلا شك أنها مختلفة اختلافاً جذرياً، لارتباطها بأمرين: أولهما أن طبيعتها موجّهة للوطن بأكمله مثل جرائم الخيانة والتجسس — وكما قال نابليون بونابرت: «مَثَل الخائن لوطنه كمَثَل السارق من مال أبيه، فلا أبوه يسامحه ولا اللصوص تشكره» — وثانيهما أن الغاية منها تحقيق مكاسب مرتبطة بالفائدة الشخصية.

ثانياً: من حيث جنسية الفاعل

تبنّى المشرع الأردني معيار جنسية الفاعل عنصراً رئيساً في توافر بعض الجرائم المرتكبة على أمن الدولة الخارجي، مميِّزاً بين الخيانة (المواد 110–117)، والجرائم الماسّة بالقانون الدولي (118–123)، والجاسوسية (124–126، الملغاة بقانون حماية أسرار ووثائق الدولة رقم 50 لسنة 1971)، والاتصال بالعدو لمقاصد غير مشروعة (127–129)، والنيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي (130–132)، وجرائم المتعهدين (133–134). وبإمعان النظر يتبين أن ضابط التمييز بين جرائم الخيانة وجرائم الجاسوسية يكمن في جنسية الجاني، فيتوافر النموذج القانوني لجرائم الخيانة متى كان الجاني أردنياً، وينزل منزلة الأردنيين — بالمعنى المقصود في المواد (111–116) — الأجانبُ الذين لهم في المملكة محل إقامة أو سكن فعلي وفقاً للمادة (117).

أما في الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي فتقوم الجريمة أياً كانت صفة الفاعل، أكان أردنياً أم أجنبياً.

ثالثاً: من حيث توقيت ارتكاب الفعل

لا يخفى على القارئ المتمعّن في النصوص المرتبطة بأمن الدولة أن المشرع فرّق من حيث العقوبة بين ارتكاب الفعل الجرمي في زمن السلم وارتكابه في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها؛ وحسناً فعل، إذ إن الدول وقت الحروب تكون بأشدّ الحاجة إلى ولاء أبنائها والتفافهم حولها. وتطبيقاً لذلك نصت المادة (113): «يحكم بالإعدام إذا حدث الفعل زمن الحرب أو عند توقع نشوبها أو أفضى إلى تلف نفس» بعد أن جعل العقوبة الأشغال المؤبدة في الأصل. كما اشترط المشرع في نصوص أخرى ظرف (حالة الحرب) شرطاً لقيام الجريمة، كنص المادة (110/2): «كل أردني — وإن لم ينتمِ إلى جيش معادٍ — أقدم في زمن الحرب على عمل عدواني ضد الدولة عوقب بالأشغال المؤبدة»، وكذلك المادة (133/1) المتعلقة بمن لم ينفّذ في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها موجبات عقد التعهد المتعلق بالدفاع الوطني.

رابعاً: الحماية المقررة للدول الحليفة والموالية

بقي أن نشير إلى الحماية المقررة للدول التي ترتبط بالمملكة بمعاهدة تحالف ضد عدوّ مشترك وللدول الأجنبية الموالية، إذ لم يقصر المشرع الحماية على الدولة الأردنية في بعض الجرائم الواقعة على أمنها الخارجي، بل شملت أمن الدول الأخرى في الحالات التالية:

  1. عاقب المشرع على جريمة الخيانة التي تقع على أية دولة تربطها بالمملكة معاهدة تحالف ضد عدوّ مشترك، وفقاً للمادة (116): «تُفرض العقوبات المنصوص عليها في المواد السابقة إذا وقع الفعل على دولة تربطها بالمملكة معاهدة تحالف ضد عدوّ مشترك».
  2. عاقب على المؤامرة التي تقع على أرض المملكة بهدف قلب دستور دولة أجنبية موالية أو تغيير نظامها بالقوة، وفقاً للمادة (119).
  3. عاقب على كل تحريض يقع في المملكة أو يقوم به أردني لحمل جنود دولة أجنبية موالية على الفرار أو العصيان، وفقاً للمادة (122).

أما الجرائم الواقعة على أمن المملكة الأردنية الهاشمية الداخلي فلا مجال للعقاب فيها إلا إذا كان لها مساس حقيقي بأمن المملكة.

شارك المقال:
العودة إلى المقالات

احجز موعدك الآن

فريقنا القانوني جاهز لمساعدتك

تواصل معنا الآن