نقد قانوني تشريعي حول مشروع القانون المعدّل لقانون مجالس الطوائف المسيحية لسنة 2026 في الأردن

نُشر بتاريخ 2026/10/12

المحامي عامر حسين الهلسه

أولاً: مقدمة

يثير مشروع القانون المعدّل لقانون مجالس الطوائف المسيحية رقم (28) لسنة 2014 جملة من المسائل الدستورية والتشريعية التي تتجاوز مجرد إزالة الغموض عن اختصاص المحاكم الكنسية، لتصل إلى تحديد مفهوم الأحوال الشخصية، وحدود الاختصاص القضائي الديني، ومدى جواز إحالة مسائل قانونية إلى قواعد غير محددة في نص تشريعي، فضلاً عن الآثار المترتبة على الوصية والتبني والحقوق المالية للأفراد.

وقد أعلنت الحكومة عندما اقرت هذا المشروع بتاريخ الاحد الموافق ١١ / ١٠ / ٢٠٢٦ أن الغاية من المشروع هي معالجة الغموض في المادة الرابعة من القانون الأصلي، وتحديد المسائل الداخلة في اختصاص المحاكم الكنسية بما يراعي خصوصية الطوائف المسيحية وأحكام الدستور الأردني.

ويتضمن المشروع إضافة الزواج والطلاق والوصية والتبني إلى مسائل الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية، إلى جانب إعادة صياغة المادة العاشرة بشأن الدعاوى المتعلقة بالأموال غير المنقولة التي تُركت بوصية أو دون وصية.

غير أن مشروعية الغاية التشريعية لا تعفي المشرّع من ضرورة صياغة الأحكام بصورة دقيقة، وتحديد نطاق الاختصاص القضائي وآثاره، وضمان عدم تعارض النصوص أو المساس بالحقوق المكتسبة والمراكز القانونية المستقرة.

ومن هنا، فإن النقد القانوني للمشروع ينبغي أن ينصب على مدى كفاية الصياغة المقترحة لتحقيق أهدافها، ومدى انسجامها مع القواعد الدستورية ومبادئ الأمن القانوني والمساواة وحماية الحقوق.

ثانياً: أوجه النقد القانوني للمشروع

1. مدى توافق التوسع في الاختصاص مع الإطار الدستوري

يتمثل الإشكال الأول في أن المشروع لا يكتفي بتوضيح اختصاص المحاكم الكنسية، بل يقرر أن مسائل محددة «تخضع لقوانينها الكنسية»، ويستخدم عبارة «كل ما ينشأ من هذه القضايا»، وهي عبارة قد تؤدي إلى توسيع نطاق الاختصاص ليشمل مسائل متفرعة لم يحددها المشرّع صراحة.

ويقتضي التحليل الدستوري الرجوع إلى المادة 109 من الدستور الأردني، التي تنظم تشكيل مجالس الطوائف الدينية واختصاصها في مسائل الأحوال الشخصية. والسؤال القانوني هنا هو: هل يقتصر دور التعديل على تفسير نطاق اختصاص دستوري قائم، أم أنه ينشئ اختصاصات جديدة تتجاوز حدوده؟

وجه النقد: كان الأجدر بالمشرّع أن يبين صراحة أن التعديل يهدف إلى تنظيم الاختصاص القائم لا التوسع فيه، وأن يحدد طبيعة كل مسألة جديدة ومدى دخولها ضمن الاختصاص الدستوري للمحاكم الكنسية.

2. الغموض في عبارة «كل ما ينشأ من هذه القضايا»

تنص الفقرة المقترحة للمادة الرابعة على اعتبار الزواج والطلاق والوصية والتبني من مسائل الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية، ثم تضيف عبارة «وكل ما ينشأ من هذه القضايا».

وتثير هذه العبارة إشكالاً تشريعياً مهماً؛ إذ لا تحدد معياراً واضحاً للتمييز بين المسائل التابعة التي تدخل في اختصاص المحكمة الكنسية، والمسائل المدنية أو المالية التي قد تنشأ بمناسبة القضية ذاتها.

فعلى سبيل المثال، قد تنشأ عن قضية زواج أو طلاق مطالبات مالية أو نزاعات بشأن ملكية عقار أو تعويضات أو حقوق تجاه الغير. ولا يكفي مجرد ارتباط هذه المسائل بقضية أحوال شخصية للقول إنها تدخل جميعاً في اختصاص المحكمة الكنسية.

وهنا ينبغي التمييز بين الارتباط الواقعي بالدعوى والاختصاص القضائي بالفصل فيها؛ فالأول لا يستلزم بالضرورة الثاني.

وجه النقد: ترك العبارة بهذه السعة قد يؤدي إلى تنازع الاختصاص بين المحاكم الكنسية والمحاكم النظامية، ويجعل تحديد المحكمة المختصة مرتبطاً بتفسيرات قضائية لاحقة بدلاً من معيار تشريعي واضح.

المقترح: استبدال العبارة بصياغة تحصر المسائل التابعة في الآثار التي يحددها القانون صراحة، مع النص على بقاء المنازعات المتعلقة بالحقوق العينية العقارية والتعويضات والحقوق المالية المستقلة ضمن اختصاص المحكمة التي يحددها القانون.

3. إدراج التبني دون تنظيم تشريعي متكامل

يعد إدراج «تبنّي الطفل المسيحي من عائلة مسيحية» من أكثر مواضع المشروع حاجة إلى التدقيق التشريعي.

فالنص يدرج التبني ضمن مسائل الأحوال الشخصية، لكنه لا يحدد بذاته الشروط الموضوعية والإجرائية التي تحكمه، ولا الآثار القانونية المترتبة عليه.

ومن المسائل التي ينبغي أن يحسمها التشريع:

شروط طالب التبني، والسن والأهلية والقدرة على الرعاية.

الوضع القانوني للطفل، ومدى اشتراط معرفة نسبه أو جهالته.

موافقة الوالدين أو الولي والضمانات اللازمة لحماية الطفل.

دور الجهات المختصة بالرعاية الاجتماعية والتحقق من مصلحة الطفل.

الآثار المتعلقة بالاسم والنسب والنفقة والإرث والجنسية.

مدى قابلية التبني للرجوع، وكيفية حماية حقوق الطفل عند إنهائه أو بطلانه.

مدى سريان آثاره في مواجهة الغير.

إن عدم حسم هذه المسائل يخلق احتمالاً لأن يتحدد الوضع القانوني للطفل بناءً على قواعد كنسية متباينة، من دون بيان كافٍ لعلاقتها بالتشريعات المدنية والوطنية ذات الصلة.

ولا يعني ذلك أن تنظيم التبني كنسياً غير جائز بالضرورة؛ بل إن الاعتراض ينصب على إدراج المؤسسة القانونية دون تحديد آثارها وحدودها والضمانات الواجبة بشأنها.

ومن زاوية حماية الطفل، يجب أن تكون مصلحته الفضلى وسلامته واستقرار وضعه القانوني عناصر مركزية في أي تنظيم تشريعي للتبني، لا مجرد مسائل تترك للاجتهاد في كل حالة.

المقترح: وضع تنظيم تشريعي متكامل للتبني، أو إحالة واضحة إلى أحكام تشريعية محددة تنظم شروطه وآثاره وإجراءاته، مع ضمان الرقابة القضائية وحماية حقوق الطفل.

4. إدراج الوصية ضمن مسائل الأحوال الشخصية دون تحديد آثارها

يعد إدراج الوصية ضمن مسائل الأحوال الشخصية من المواضع التي تستدعي تحديداً تشريعياً أدق، خصوصاً أن الوصية قد ترتب آثاراً مالية تتجاوز العلاقة بين أفراد الأسرة، وتمس حقوق الورثة والدائنين والموصى لهم.

فالمشروع ينص على خضوع الوصية للقوانين الكنسية، لكنه لا يوضح في المادة المعدلة وحدها العلاقة بين تلك القوانين والقواعد الوطنية المتعلقة بأهلية الموصي، وصحة التصرف، وشكله، ونفاذه، وحدود التصرف في الأموال، وحقوق الغير.

وتظهر هنا ثلاثة إشكالات رئيسية:

أ. غياب تحديد نطاق الإحالة: هل المقصود إخضاع جميع عناصر الوصية للقانون الكنسي، أم مسائل معينة منها فقط؟ ينبغي أن يحدد النص ذلك بصورة لا تترك مجالاً لتضارب القواعد.

ب. حماية حقوق الورثة والغير: ينبغي ألا يؤدي توسيع نطاق الوصية إلى إهدار حقوق مقررة بموجب قواعد قانونية واجبة التطبيق، أو إلى الإضرار بالدائنين أو أصحاب الحقوق الذين لا يكونون أطرافاً في النزاع الأصلي.

ج. عدم التمييز بين الاختصاص والقانون الواجب التطبيق: فكون الوصية من مسائل الأحوال الشخصية لا يحسم تلقائياً المحكمة المختصة بكل نزاع مالي ناشئ عنها، ولا يحدد بالضرورة القانون الذي يحكم كل أثر من آثارها.

المقترح: تحديد المسائل التي تخضع للقانون الكنسي في مجال الوصية، مع بيان حدود التصرف في الأموال، وعلاقة أحكام الوصية بحقوق الورثة والدائنين، والقواعد التي تطبقها المحكمة عند تعارض المصالح.

5. الغموض في المادة العاشرة بشأن الأموال غير المنقولة

تنص المادة العاشرة بصيغتها المقترحة على أنه عند نظر المحكمة أو أي محكمة نظامية في دعوى تتعلق بأموال غير منقولة موجودة في المملكة تُركت بوصية أو دون وصية، تطبق «القوانين المختصة».

ويثير النص سؤالاً جوهرياً: ما المقصود تحديداً بعبارة «القوانين المختصة»؟

فهي لا تحدد ما إذا كان المقصود قانون موقع العقار، أو قانون الميراث، أو قانون الوصية، أو قانوناً آخر ينظم نوعاً معيناً من الحقوق. كما أنها لا تبيّن كيفية التعامل مع الدعوى التي تجمع بين مسائل الأحوال الشخصية وحقوق الملكية العقارية.

وتزداد أهمية هذا الغموض لأن النص يستخدم عبارة «على الرغم مما ورد في أي قانون آخر»، وهي صياغة ذات أثر تشريعي واسع؛ إذ قد تثير خلافاً حول مدى استبعاد أحكام تشريعات أخرى أو تقديم حكم المادة الجديدة عليها.

ومن الضروري هنا التمييز بين أمرين:

الاختصاص القضائي: أي تحديد المحكمة التي تملك صلاحية الفصل في النزاع.

القانون الواجب التطبيق: أي القواعد الموضوعية التي تستند إليها المحكمة في إصدار حكمها.

فقد تكون المحكمة مختصة بالنظر في الدعوى، لكنها ملزمة بتطبيق قانون معين على مسألة محددة. ولا ينبغي أن يؤدي الغموض في أحد الأمرين إلى الالتباس في الآخر.

وجه النقد: لا تحقق عبارة «القوانين المختصة» وحدها اليقين القانوني المطلوب، ما لم تتضمن إحالة دقيقة إلى التشريعات المعنية أو معياراً واضحاً لتحديدها.

المقترح: النص صراحة على القانون الواجب التطبيق على كل من صحة الوصية، وانتقال الملكية، وتحديد الورثة، وتسجيل الحقوق العقارية، مع بيان المحكمة المختصة بكل نوع من أنواع المنازعات.

6. الأثر المحتمل لعبارة «على الرغم مما ورد في أي قانون آخر»

وردت هذه العبارة في التعديلين المقترحين للمادتين الرابعة والعاشرة. وهي صياغة تشريعية مألوفة من حيث المبدأ، لكنها ليست كافية وحدها لحل تعارض القوانين.

فإذا كانت الغاية هي إعطاء أولوية للقوانين الكنسية في مسائل محددة، فينبغي أن يوضح النص نطاق هذه الأولوية، وألا يترك مجالاً لاستنتاج أنها تستبعد جميع القواعد الوطنية الأخرى ذات الصلة.

وقد تشمل تلك القواعد أحكام الإجراءات المدنية، والتسجيل العقاري، وحماية القاصرين، والأهلية القانونية، والحقوق العينية، وغيرها من الأحكام التي قد تتصل بالقضية دون أن تصبح جميعها مسائل أحوال شخصية.

وجه النقد: اتساع العبارة، عند اقترانها بعبارات أخرى غير محددة، قد يؤدي إلى تفسير يتجاوز الهدف المعلن من المشروع، ويثير صعوبات في التوفيق بين التشريعات المتعددة.

المقترح: قصر أولوية النص على المسائل المحددة فيه، مع النص صراحة على استمرار تطبيق التشريعات الوطنية الأخرى فيما لا يتعارض مع الأحكام الخاصة التي يقررها القانون.

7. عدم كفاية ضمانة حماية المراكز القانونية القائمة

أعلنت الحكومة أن التعديلات لن تمس المراكز القانونية القائمة قبل نفاذ أحكامها.

وهذه ضمانة مهمة، لكنها تحتاج إلى تحديد تشريعي دقيق؛ فمصطلح «المراكز القانونية القائمة» قد يثير خلافاً حول المقصود به.

فهل يشمل فقط الأحكام القضائية القطعية؟ أم يشمل كذلك الوصايا المنظمة قبل نفاذ القانون، والدعاوى المنظورة، والتصرفات العقارية المسجلة، والحقوق التي نشأت ولم يصدر بشأنها حكم قضائي؟

كما ينبغي تحديد أثر القانون الجديد على الدعاوى التي بدأت قبل نفاذه ولم يصدر فيها حكم نهائي.

وجه النقد: الاكتفاء ببيان عام في الأسباب الموجبة أو التصريحات الحكومية لا يغني عن وجود حكم انتقالي واضح في صلب القانون.

المقترح: إضافة مادة انتقالية تحدد نطاق سريان القانون زمنياً، وتبين أثره على الدعاوى المنظورة والتصرفات السابقة والحقوق المكتسبة والأحكام القطعية، بما يحمي الثقة المشروعة واستقرار المعاملات.

ثالثاً: المبادئ القانونية التي ينبغي أن تحكم التعديل

يمكن تأسيس النقد السابق على أربعة مبادئ عامة:

٠١ مبدأ المشروعية الدستورية وفي تطبيقه على المشروع عدم تجاوز الاختصاصات التي

يحددها الدستور للمحاكم والجهات القضائية.

٠٢ مبدأ اليقين القانوني من حيث تحديد المسائل التي تخضع للقوانين الكنسية ومعنى القوانين المختصة وآثار كل منها.

٠٣ مبدأ المساواة وحماية الحقوق

المتمثل بتجنب الصياغات التي قد تؤدي إلى تباين غير مبرر في حماية الحقوق المالية أو الأسرية.

٠٤ مبدأ حماية الطفل والغير المتمثل في تحديد الآثار القانونية للتبني والوصية وضمان عدم الإضرار بحقوق من لم يكونوا أطرافاً في التصرف

هذه المبادئ لا تعني أن الخصوصية الدينية للطوائف المسيحية تتعارض بذاتها مع الدستور؛ بل تعني أن تنظيم هذه الخصوصية ينبغي أن يتم في إطار قانوني واضح يحمي حقوق الأفراد ويمنع تضارب الاختصاصات.

رابعاً: صياغة مقترحة لخلاصة النقد

خلاصة النقد القانوني

إن الإشكال الجوهري في مشروع القانون المعدّل لقانون مجالس الطوائف المسيحية لسنة 2026 لا يتمثل في مبدأ تنظيم الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية أو الاعتراف بخصوصيتها الدينية، وإنما في مدى دقة الوسيلة التشريعية المقترحة لتحقيق هذه الغاية.

فإضافة الوصية والتبني إلى مسائل الأحوال الشخصية، مقرونة بعبارة «كل ما ينشأ من هذه القضايا»، قد توسع نطاق الاختصاص دون تحديد كافٍ لحدوده وآثاره، في حين أن إحالة المادة العاشرة إلى «القوانين المختصة» لا تقدم بذاتها معياراً واضحاً لتحديد القانون الواجب التطبيق على المنازعات المتعلقة بالأموال غير المنقولة والتركات.

كما أن عدم وضع تنظيم تفصيلي للتبني، وعدم بيان العلاقة بين القوانين الكنسية والتشريعات الوطنية المتعلقة بالملكية والأهلية والحقوق المالية وحماية الطفل، قد يفضي إلى تنازع الاختصاص وتضارب الأحكام وتراجع مستوى اليقين القانوني.

وعليه، فإن المعالجة التشريعية السليمة تقتضي تحديد الاختصاص القضائي تحديداً دقيقاً، والفصل بين الاختصاص والقانون الواجب التطبيق، وتنظيم الآثار القانونية للوصية والتبني، وإضافة أحكام انتقالية صريحة تحمي الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية المستقرة.

وبذلك يمكن تحقيق التوازن بين احترام الخصوصية الدينية للطوائف المسيحية، وصون الاختصاصات الدستورية، وحماية حقوق الأفراد، وضمان وحدة الإطار القانوني للدولة، دون توسيع الاختصاص القضائي أو تقييده بعبارات عامة تحتمل أكثر من تفسير

شارك المقال:
العودة إلى المقالات

احجز موعدك الآن

فريقنا القانوني جاهز لمساعدتك

تواصل معنا الآن